محمد بن وليد الطرطوشي
204
سراج الملوك
والآحاد فضائل ، ولا شك أن كثرة الفضائل فضيلة ، أما الشئ المحدود ، فتكون الزيادة فيه نقصا من المحدود ، كالتّهور في الشجاعة ، والتبذير في الكرم . وأما الزيادة في العقل المكتسب ، فزيادة علم بالأمور ، وحسن إصابة بالظنون ، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان ، وروى عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : « أفضل الناس أعقل الناس » وقال عليه السلام : « العقل حيث كان ألف مألوف » « 1 » . وقال القاسم بن محمد « 2 » : من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه ، كان حتفه في أغلب الخصال عليه . ولما مات بعض الخلفاء ، احتشدت الروم واجتمعت ملوكها ، وقالوا : الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض فيمكننا الغرّة « 3 » منهم والوثبة عليهم ، وضربوا في ذلك مشاورات ، وتراجعوا فيه بالمناظرات ، وأجمعوا على أنها فرصة الدهر وثغرة النحر « 4 » ، وكان رجل منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائبا عنهم فقالوا : من الحزم عرض الرأي عليه ، فلما أخبروه بما أجمعوا عليه ، قال لا أرى ذلك صوابا ، فسألوه عن علّة ذلك ؟ فقال : غدا أخبركم إن شاء الله . فلما أصبحوا ، غدوا عليه للوعد ، وقالوا : لقد وعدتنا ، قال : نعم ، فأمر بإحضار كلبين عظيمين قد أعدّهما ، ثم حرّش بينهما ، وألّب كلّ واحد على الآخر ، فتواثبا وتهارشا ، حتى سالت دماؤهما ، فلما بلغا الغاية ، فتح باب بيت عنده ، وأرسل منه على الكلبين ذئبا عنده قد أعدّه ، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه ، وتآلفت قلوبهما ، ووثبا جميعا على الذئب فنالا منه ما أحبّا .
--> ( 1 ) الحديثان ضعيفان . ذكر العجلوني الحديث الأول في كشف الخفاء 1 / 571 . قال الشيخ الألباني : إن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء وهي تدور بين الضعف والوضع . . ونقل عن العلامة ابن القيم قوله ( أحاديث العقل كلها كذب ) ( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ج 1 / 13 وج 3 / 410 ) . ( 2 ) القاسم بن محمد : حفيد أبي بكر الصديق وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة ، توفي سنة 107 ه فكان صالحا من سادات التابعين ( الأعلام 5 / 181 ) . ( 3 ) الغرة منهم : أي مفاجأتهم وأخذهم على حين غرة . ( 4 ) ثغرة النحر : نقرة النحر بين الترقوتين وهو تعبير يعني القدرة على اختراق العدو من نقطة ضعفه .